
أعطانا برنز أو أعاد إلينا جسر بروكلين والجاز وكرة القاعدة ولويس وكلارك والحرب العالمية الثانية، فضلاً عن تجسيد مميز لقصص حياة مارك توين وطوماس جفرسون. كذلك تشمل أمجاده ترشيحات لجوائز أوسكار وعدداً من جوائز إيمي، فضلاً عن الفيديو التمهيدي لخطاب السيناتور إدوارد كينيدي الداعي إلى العمل في المؤتمر الوطني الديمقراطي عام 2008.
أخبرني برنز أنه رغب في أن تكون أفلامهم أشبه {بعلم أثار عاطفي}. حتى أنه نبش أحياناً تفاصيل شخصية. فسلسلته الجديدة المؤلفة من ستة أجزاء والتي بدأ عرضها على الشبكة التلفزيونية PBS في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي بعنوان The National Parks: America’s Best Idea، أعادت إليه ذكريات الطفولة الدفينة. فما إن حمل برنز الكاميرا وبدأ تصوير منتزه {يوسيمايت} حتى تذكّر أن أباه أخرجه من السرير باكراً وهو بعد في السادسة واصطحبه بالسيارة إلى منتزه {شينانداو} ليمضي أول أسبوع له في إحدى المحميات العامة الوطنية.
لمَ يتناول بكاميرته هذه المواضيع، وماذا عن تسريحة شعره؟
يقول وليام فولكنر: {الماضي لا يموت البتة، ولا يصبح ماضياً مطلقاً}، هل تعتقد ذلك؟
نعم بالتأكيد. التاريخ ليس ماضياً. نفكّر فيه كما لو أنه سلسلة أحداث ثابتة لا تتبدل إلا مع ظهور معلومات جديدة، لكنه في الواقع مرن يتغيّر مع تبدّل وجهات نظرنا وميولنا وعواطفنا.
كما رأينا مع الرئيس الأميركي الراحل أبراهام لينكولن الذي يغدو شخصية مختلفة في نظر كل جيل.
نعم، بدا شخصية مختلفة. ففي نظر بعض الأجيال والمجتمعات، أخّر قضية إعتاق العبيد، شكّل فشلاً للجمهوريين الراديكاليين، وظهر كرجل شاذ يعاني الكآبة. جمع لينكولن هذه الصفات المتناقضة كافة، لكنه لم يتغيّر، بل عمدنا نحن إلى تحليل شخصيته بطريقة مختلفة. ويعني ذلك أن التاريخ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحاضر وبما نأمل ببلوغه، تماماً كما يرتبط بما حدث.
تعبّر أعمالك عن حبّ عميق لبلدك، فكيف تعرّف الحس الوطني؟
لم يسبق أن استخدم أحد كلمة حب في وصفه أعمالي. يعتقد البعض أنني رسمت صورة جميلة وإنما خيالية عن أميركا، وهذا ليس صحيحاً. أكنّ حباً وعاطفة كبيرين لبلدي، وأظن أن هذا من ضمن المزايا الأساسية التي تحدد الحس الوطني، وإحدى صفاته الأخرى النظر إلى الماضي بعين مجردة وموضوعية. فلا أرسم صورة منمقة وملطفة عن بلدي، بل أحاول أن أخبر القصص التي لم تروَ. مثلاً، صحيح أن فيلمي عن جسر بروكلين يحمل كثيراً من العواطف، إلا أنه يكشف أيضاً فساد عالم مدينة نيويورك السياسي وعمليات الاحتيال التي شاعت آنذاك، فضلاً عن الانهيار العصبي الذي عاناه مصممه ومحاولة تقريب زوجة تقليدية من مهندسه الرئيس. هذه الأمور كافة كانت جزءاً منه أيضاً.
ما أهمية المنتزهات الوطنية في بلدك؟
مع حلول الكساد الكبير، أُنفقت أول الحوافز النقدية، وكان المستفيد الأول منها المنتزهات الوطنية. والمفارقة أن الأخيرة حصلت على كمية من المال خلال الكساد فاقت ما حصدته سابقاً. فكثُر مرتادوها لأنهم شعروا أنها تجسّد تطبيق الديمقراطية في الطبيعة.
نحن نملك أجمل واجهات مائية وأبهى سلاسل جبلية وشلالات وعناصر جعرافية حرارية. كذلك يضم بلدنا أكبر واد على الأرض. وعلينا أن نزور ممتلكاتنا بين الحين والآخر. ويجب أيضاً أن نحرص على سلامتها ونتأكد من أنها تحظى بالصيانة اللازمة. كذلك ينبغي أن نشملها في نفقاتنا التي تهدف إلى تحسين وضع ممتلكاتنا.
متى بدأ عشقك للكاميرا؟
تعود أقدم ذكرياتي إلى سن الثانية والنصف أو الثالثة تقريباً. أتذكر أن والدي كان يبني آنذاك غرفة معتمة في زاوية طبقة منزلنا السفلية في نوارك بديلاوير وأنني رحت أراقبه فيما كانت المواد الكيماوية تتفاعل مظهرةً الصورة. أعتقد أن جوهر عملي متأصل في احترامي العميق لقدرة صورة واحدة على نقل كم هائل ومعقد من المعلومات. وبما أن الحياة معقدة، نعالج هذا التعقيد بإضفائنا عليه بنية وقصة وتشبيهاً ما.
ما الذي تعتبره {حقيقة مشوهة}؟
الحقائق كافة مشوهة لأن الفوضى تعمّ الكون. وما نجلّه فيه هو ما يفرض عليه نوعاً من النظام، أكان الدين أو الإيمان بالخرافات، أو الروايات والفن، أو الأدب والعلوم، فبذلك نبعد الذئب عن الباب، ويمثل الذئب الخوف من الفوضى.
يُقال إن الكتابة الجيدة تعتمد على عملية التحرير الناجحة والقدرة على التخلص من أمور يحبها الكاتب. فما كانت المشاهد الأعز على قلبك التي اضطررتُ إلى التخلي عنها؟
ثمة مشاهد كثيرة تخلينا عنها على رغم أنها بدت ممتازة. مثلاً، في فيلم {مارك تواين} صورنا مشهداً رائعاً يُظهر مدينة هانيبل بميسوري وهي تستيقظ مع قدوم المراكب البخارية ليعمها النشاط والحيوية، ثم تعود إلى ثباتها مع انطلاق المراكب مجدداً. بدا لي هذا المشهد خلاباً. لكن كلما حذفته، انساب الفيلم بسلاسة أكبر. أتى إلي مراراً دايتون (دانكن، شريك برنز،) بعينيه المتعبتين اللتين تتوقان إلى النوم وقال لي: {أيمكننا إبقاء هذا المشهد؟}. كنا نعيد إدخاله فعلاً، لكنه في كل مرة كان يبطئ الأحداث. لذلك اضطررنا إلى التخلي عن مشهد رائع للحفاظ على جمال الفيلم ككل. صحيح أن بعض المشاهد لم يضاهه رونقاً، إلا أنه أثّر في الرواية عموماً. ولا شك في أن عملية الاختيار هذه صعبة.
أعلنت شركة {جنرال موتورز} بأسى أنها ستتوقف عن تمويل أعمالك. فماذا سيكون تأثير هذه الأزمة الاقتصادية على صناعة الأفلام الوثائقية والمحطات التلفزيونية التثقيفية؟
بدأنا هذه الصفقة الطويلة الأمد مع {جنرال موتورز} في عام 1999، وأدركنا آنذاك أنها قد تكون الأخيرة. بكلمات أخرى، تريد الشركة أن تقول: {علينا أن نتخلص من كل ما لا يُعتبر أساسياً، فيما نحاول ترتيب شؤوننا الداخلية}. لكننا إذا تحلينا (العاملون في المحطات التلفزيونية التثقيفية) بذكاء كاف، فلا شك في أننا سنتخطى هذه المشكلة. فوسط هذا الضجيج في المحطات الإذاعية والتلفزيونية، أنتجنا على رغم التمويل المحدود الذي نتلقاه أفضل برامج الأولاد وبرامج العلوم والطبيعة، وقدّمنا أفضل أداء وفن وعلاقات عامة وتاريخ.
هل حلمت يوماً، على غرار جيري بروكيمر، بتصوير فيلم ميزانيته 50 مليون دولار تفجر خلاله شتى الأمور؟
أردت أن أصبح مخرج أفلام كبرى عندما أدركت مدى تأثيرها. توفيت والدتي حين كنت في الحادية عشرة. أرغمني والدي على العودة إلى البيت في ساعة مبكرة مساءً، لكنه سمح لي بالبقاء مستيقظاً حتى ساعة متأخرة لمشاهدة الأفلام. رأيته يبكي للمرة الأولى، ليس خلال جنازة والدتي، بل أثناء مشاهدته Never on Sunday، فيلم جولز داسين الذي عشقته أمي. عندئذٍ ادركت أن للأفلام سلطة، وحلمت بأن أصبح خليفة ألفرد هيتشكوك وجون فورد وهوارد هوكس. بعد ذلك، دخلت عالم الصور الوثائقية الاجتماعية الجامدة، فذكرتني بأن ما يحدث وما حدث يحملان من الدراما ما يفوق كل ما يتخيله عقل البشر.
توفيت والدتك وأنت لا تزال فتى صغيراً، لكن أحداً لم يطالب برفاتها، فأُرسلت إلى مدافن عامة مخصصة للفقراء مدة من الوقت إلى أن استعدتها. ما كان تأثير ذلك في نفسك؟
تحطمت عائلتنا وعمل أبي جاهداً للملمة حياتنا، ومن دون أن يشعر نسي أمر رفاة والدتي. لكنني واجهت لاحقاً في حياتي أزمة دفعتني إلى التفكير في أمور أردت أن أبقيها حية، هذا كل ما في الأمر. أخبرت أحد أصدقائي عن ذلك، فأجابني: {علامَ تتمحور مهنتك في الأساس؟ أعدت إحياء أبراهام لينكولن ولويس أرمسترونغ وجاكي روبنسون. فمَن تود برأيك أن تعيده حقاً إلى الحياة؟}.
لمَ يفتقر الأميركيون إلى الحس التاريخي مقارنة بالشعوب الأخرى؟
يرتبط ذلك في المقام الأول بشبابنا. فنحن لم نخرج حقاً من مرحلة المراهقة. وما يميز هذه المرحلة الرغبة في المضي قدماً، حارقين كل شيء خلفنا كما لو أننا صاروخ. لكننا سرعان ما نستفيق حين نواجه حرباً عالمية هائلة، أو اعتداءات (11 سبتمبر) أو كساداً كبيراً. أعتقد أننا نشهد اليوم إدراكاً متزايداً بين الأميركيين لمدى أهمية تمسك المرء بماضيه.
ماذا عن ظهورك في إحدى حلقات {عائلة سمبسونز}؟
أخبرت جيمس بروك أنني غاضب لأنه لم يستخدم صوتي. كنت سأسعد بأداء دور الشخص المذلول. يبحث هومر سمبسون بدأب عن جهاز التحكم عن بعد كي يبدل المحطة ويتخلص مني. فيذكّره فلاندرز بأنه يستطيع العثور عليه بواسطة الصلاة، فيصلي هومر إلى الله الذي يكشف له مكان الجهاز. ويبدل المحطة لمشاهدة مبارات القردة الأولمبية. نتيجة لذلك، ارتفعت مصداقيتي في نظر الشباب وبناتي.
وما قصة شعرك؟
ينمو شعري بسرعة. عندما ينسدل على عينيّ، أقصد مصفف الشعر وأقصه. وهكذا دواليك. لم يلمس مشط شعري منذ كنت في الصف الخامس. فزت بجائزة {إيمي} عن أفضل إنجاز (Lifetime Achievement Award) في الخريف الماضي، فقدمني طوم بروكو بقوله: {يتصرف على طبيعته ولم يبدل تصفيفة شعره}. ففكرت: {هذه أفضل فرصة لأقول: طوم، هذا شعر مستعار}. لم أعِ ما قلته إلا بعد الحفلة. كنت قد أعددت رداً وعزمت أن أقول: {شكراً لك. لدي رد موجز يتألف من تسعة أجزاء}.
إضافة إلى المفضلة
المفضلة
إرسال إلى صديق
المشاهدات: 85
التعليقات
(0)

