
تذكّرك منطقة واينلاندز المترامية الأطراف في ولاية كيب الغربية بوادي نابا في كاليفورنيا. أو لعلها بقعة من هولندا، التي تمتاز بمنازلها ذات السطوح القرميدية المثلثة؟ أما الأحياء الفقيرة، حيث يعيش معظم الأفارقة السود، فلا تختلف عن مثيلاتها في دول العالم النامي.
ماذا عن تذوّق اللحم في مطعم «غوردون رامزي» الجديد في كيب تاون؟ تخال نفسك في أحد مطاعم هذا الطاهي الرفيع الشأن الموزعة بين نيويورك ولندن وغرب هوليوود.
جنوب أفريقيا مزيج غنيّ أو «حساء متنوع»، كما يقول عنها السكان المحليون بلغتهم الأفريقية المنبثقة عن اللغة الهولندية. وقد لمست أنا ورفيقتي ولسا هذا الواقع فعلاً، إذ لم يتسنَّ لنا أكثر من أسبوع لرؤية هذا البلد الجميل. فزرنا كيب تاون ومنتزهاً للحيوانات قرب جوهانسبورغ.
ثمن رؤية أفريقيا
كان برنامجنا حافلاً بنشاطات تنقلنا بينها بسرعة كبيرة، حتى إننا رحنا نقول: «رحلتنا هذه ما هي إلا لمحة جيدة عن أماكن يمكننا زيارتها في جنوب أفريقيا». تستغرق رحلة الذهاب والعودة إلى لوس أنجليس يومين أمضيناهما في التنقل بين طائرات ومطارات. «لكن هذا هو الثمن الذي ستُضطر إلى دفعه لرؤية أفريقيا»، على حد تعبير باتريك، ممثل Thompson Africa ومنظم رحلتنا المحلي، الذي التقانا في مطار جوهانسبورغ واصطحبنا إلى كيب تاون.
تستحق الرحلة العناء، خصوصاً أن الدولار الأميركي كان يعادل نحو تسعة رندات في شهر أبريل (نيسان) الفائت، أي خلال زيارتنا هذه، بعد أن كان يوازي سبعة فقط في السنة الماضية. وقد كلفتنا أقل من 2500 دولار للشخص، بما فيها تكاليف السفر والفندق ومختلف الجولات. مثلاً، يبلغ ثمن الشطيرة أقل من دولارين، وتصل كلفة جولة كاملة عبر المدينة في سيارة أجرة نحو ستة دولارات.
خلال إقامتنا القصيرة، عشنا لحظات لا تُنسى في هذه الأمة المفعمة بالحياة التي تضم نحو 50 مليون نسمة. بدأت جمهورية جنوب أفريقيا، التي تتحلى بأكثر اقتصادات أفريقيا السوداء تقدماً، بتحسين مطاراتها وملاعبها ومنشآتها السياحية لتستضيف نصف مليون سائح تقريباً تتوقع قدومهم لمشاهدة بطولة كأس العالم لكرة القدم في صيف 2010.
خلال الليالي الأربع التي أمضيناها في كيب تاون، عاصمة البلد التشريعية، أدركنا أن هذه المدينة هي الأروع في العالم. فهي تجمع بين خليج سان فرانسيسكو اللازوردي الصافي وهدوء لوس أنجليس وأناقتها.
«هل هذه زيارتكما الأولى إلى كيب تاون؟» سألنا ناظم، السائق الذي أقلّنا من المطار إلى فندق الكومودور في منطقة فيكتوريا وألفريد، التي يتقاطر إليها السياح بسبب واجهتها المطلة على المحيط. أجبناه «نعم»، فأردف: «ستعودان إليها. صدقاني!».
على غرار كثيرين من سكان جنوب أفريقيا الذين التقينا بهم، تميز ناظم بانفتاحه وودّه وافتخاره بوطنه الذي ينبع تنوعه من تاريخه المعقد.
لمحة تاريخية
شكّلت مجتمعات السان والبوشمن ومزارعي كويكوي سكان جنوب أفريقيا الأوائل، الذين اعتمدوا على الصيد وجمع الثمار. بعد ذلك، غزت المنطقة شعوب ناطقة بالبانتو من أفريقيا الوسطى.
في القرن السابع عشر، وصل الهولنديون إلى ما يُعرف اليوم بكيب تاون، حيث أنشأت شركة شرق الهند الهولندية محطة إمداد للسفن التجارية. وعملوا لاحقاً على استيراد الرقيق من مختلف أنحاء العالم. وعام 1795، حارب البريطانيون الهولنديين للسيطرة على المنطقة، لتتحد الأخيرة عام 1910 تحت اسم اتحاد جنوب أفريقيا.
في التاريخ المعاصر، اشتهرت جنوب أفريقيا بنظام الفصل العنصري الذي طبقته. وقد أتاح هذا النظام العنيف للأقلية البيضاء الإمساك بزمام الحكم وممارسة التفرقة العنصرية. وقد بدأ بالتداعي عام 1990 بعد عقود من النضال.
بعد أربع سنوات، انتُخب نيلسون مانديلا أول رئيس أسود للبلاد، وأمضى نحو 30 عاماً في السجن بسبب نشاطاته المناهضة لنظام الفصل العنصري. ولا يزال حزبه، «المؤتمر الأفريقي الوطني»، يقود البلد الذي يتخبط بما خلّفه نظام الفصل العنصري من عداوة عرقية وفقر وجريمة. في كيب تاون، مدينة تعد أكثر من ثلاثة ملايين نسمة، التقينا نور إبراهيم (65 عاماً)، الذي يعمل مسؤولاً تربوياً في متحف المقاطعة السادسة المذهل، حيث تُخلّد ذكرى حي متعدد الأعراق جُرف في ستينات القرن العشرين وسبعيناته لإقامة مساكن للبيض. يخبر إبراهيم، الذي كان جده الهندي المولد يملك مشغلاً لصناعة مشروب الزنجبيل في الدائرة السادسة: «طردت عام 1973. فبكيت وانتابني غضب عارم».
وعلى غرار الكثير من مواطني جنوب أفريقيا، أخبرنا إبراهيم أنه سامح النظام السابق، قائلاً: «كلنا خليقة الله. نحن عرق واحد. أنا أفريقي جنوبي». شكل المتحف ذروة جولة سيراً على الأقدام دامت ثلاث ساعات نظمتها وكالة كيب تاون للسياحة. ومن المعالم السياحية المميزة التي زرناها عرض ثقافي يُقدَّم خلاله الطعام في متحف ذهب أفريقيا.
بسبب الرياح العاتية التي هبت على كيب تاون، اضطررنا إلى إلغاء رحلة بالتلفريك إلى جبل الطاولة الشهير الذي يبلغ ارتفاعه 1086 متراً ويطل على المدينة، لكن لا مشكلة. فقد اصطحبنا دليلنا إلى هضبة الإشارة، حيث استمتعنا بمنظر خلاب آخر.
فضلاً عن ذلك، متعنا ناظرينا بجمال عالم النباتات الخلاب في جنوب أفريقيا. ففي جولة دامت يوماً كاملاً في شاحنة صغيرة مقفلة تنقلنا خلالها في أرجاء شبه جزيرة كيب، واجه فيصل، الذي ترجع جذور عائلته إلى إندونيسيا، نهاراً عاصفاً ليقودنا إلى ساحل الأطلسي المتعرج الخلاب، الذي يذكر بسواحل كاليفورنيا قرب منطقة بيغ سور.
اجتزنا منازل خليج بانترب الفاخرة، ثم عبرنا منحدرات الغرانيت وخليج كامبس، الذي يُعتبر موقعاً مناسباً لأخذ حمام شمس رغم مياهه الباردة جداً وتياراته القوية. وفي قرية الصيادين في خليج هوت، استقللنا مركباً جميلاً إلى جزيرة دويكر، حيث تكثر حيوانات فقمة كيب بفروها المميز وبعينيها الواسعتين. (عدلنا عن التوجه إلى طريق قمة شابمان، الذي يشتهر بمناظره الخلابة، لأنه مقفل بسبب انزلاقات صخرية، وما كان متوقعاً أن يُعاد فتحه قبل الصيف).
في جنوب رأس الرجاء الصالح بشبه جزيرة كيب، رأينا المياه الغادرة التي ابتلعت السفن على مر القرون. ومن منطقة رأس بوينت المجاورة، أقلتنا عربة ترام إلى منارة تاريخية، منها شاهدنا منظر الجروف الخلاب ومياه المحيط المتلاطمة تحتها بمئات الأمتار. (نقطة الالتقاء الحقيقية بين المحيطين الأطلسي والهندي هي رأس أغولاس، الذي يقع على بعد نحو 160 كيلومتراً).
متنزه جبل الطاولة
ومن البقع الرائعة التي شملتها جولتنا أيضاً منطقة البولدر في منتزه جبل الطاولة الوطني، حيث تسير حيوانات البطريق الأفريقية مترنحة غير عابئة بمعجبيها الذين تجمعوا على الشاطئ.
أمضينا بعد ظهر أحد الأيام في منطقة واينلاندز الجميلة قرب كيب تاون، حيث مساحات شاسعة من أراضٍ مغطاة بالكروم والمزارع، استعمرها في القرن السابع عشر الهولنديون الذين ابتكروا فيها تصميمهم الخاص في البناء.
تناولنا العشاء في مطعم «رامزي» في فندق One & Only Cape Town الجديد الفاخر، حيث تبلغ كلفة الغرفة الدنيا 600 دولار لليلة. إلا أن فاتورتنا كانت أقل بكثير. فمع البقشيش ونوعين من المقبلات وأطباق السمك واللحم واللوبياء والتحلية، دفعنا كلتانا 68 دولاراً, أي نصف ما كنا سندفعه لو تناولنا العشاء في الولايات المتحدة أو لندن. أمضينا ليلتينا الأخيرتين في نزل Bakubung Bush البسيط والأنيق في منتزه بيلانسبورغ الوطني (مساحته 1456 كيلومتراً مربعاً)، الذي يشغل فوهة بركان انطفأ منذ زمن.
اصطحبنا مرشدونا الحادو البصر في رحلة دامت ست ساعات شاهدنا خلالها الحيوانات. فرأينا الفيلة الأفريقية وفرس النهر الأبيض والحمار والوحشي والزرافات وغيرها من حيوانات. إلا أننا لم نصادف للأسف أي أسود أو نمور أو فهود، علماً أن الأخيرة تُعتبر من الحيوانات النادرة في المنتزه.
كنا نتوق إلى مغامرتنا المسائية. فسارعنا إلى استقلال قطار نقلنا إلى مدينة الشمسSun City المجاورة، وهي نسخة جنوب أفريقيا الخاصة عن مدينة الخطيئة Sin City.
أنشأ سول كيرزنر، الثري الأفريقي الجنوبي الذي يملك فندق One & Only Cape Town، قبل 30 عاماً جوهرة مدينة الشمس، قصر المدينة الضائع الذي يتألف من 338 غرفة. وهو مجموعة رائعة من قبب وأعمدة وتماثيل حيوانات ضخمة.
لكن الأوقات الجميلة تمضي بسرعة. ولم يتبقَّ لنا من جولتنا القصيرة هذه سوى القليل لنتعرف إلى الحياة اليومية في جنوب أفريقيا. حتى إننا اضطررنا إلى حذف أماكن مثيرة للاهتمام عن جدولنا، مثل سويتو، المنطقة التاريخية التي سكنها السود خارج جوهانسبورغ, وجزيرة روبن حيث سُجن مانديلا وغيره من القادة المناهضين لنظام التفرقة العنصرية.
يا ليت الوقت يطول لنطارد الفهود... ربما في المرة المقبلة!
إضافة إلى المفضلة
المفضلة
إرسال إلى صديق
المشاهدات: 1310
التعليقات
(0)

