
لكن يا لها من ملتقى بالغ النشاط. لندن مدينة على حافة انهيار عصبي إلا أنها تعيش بقوّة على أمجادها إلى حدّ أن لا شيء يضايقها على ما يبدو. في المركز الأوروبي هذا، وجدت وابنتي جيسيكا البالغة 25 عاماً تناقضاً تاماً بين النشاط المجنون والتحف الفنية العتيقة. فحين تصبح عاجزاً عن تحمّل أي دقيقة إضافية في شوارع لندن المرهقة للأعصاب، بوسعك الهروب إلى قاعة عتيقة رائعة، وإمضاء فترة بعد الظهر كما تشرلوك هولمز باحثاً عن رفات آن بولين.
للاستمتاع والمرح، تستطيع أيضاً اختيار أحد الأيام لاختبار الحانات التي تملأ المكان. قيل إنها بدأت تختفي تدريجياً، لكن هذا ليس ما تراءى لنا. فالحانات، النسخة البريطانية عن «ستار باكس»، أشبه بمنارات صغيرة تكثر فيها الأحاديث وتطوّق المدينة بشكل استراتيجي لجذب الناس إليها.
آسفة لحماستي البارزة، لكن ثمّة كثير من الأماكن التى يُوصى بزيارتها من لم تطأ قدماه أرض هذه المدينة سابقاً. تستطيع ركوب قارب في النهر، التمتع بالمناظر من أعلى دولاب عين لندن الذي يدور ببطء شديد، التجوّل في الأسواق حتّى تخورك قواك.
استجمع حماستك، وانغمس في كل ما يجعلك تستمتع، والتقط لنفسك آلاف الصور. وجدنا على ما يبدو في كل زاوية تقريباً من زوايا لندن مركز جذب آخر مثيراً للفضول. فخلال مراسيم تغيير الحرس الملكي مثلاً، بدأت الفرقة العسكرية بعزف أغنية Dancing Queen لفرقة آبا. وأنا أتكلم بجدية. كان ذلك غير متوقع، وغريباً ورائعاً.
كانت رحلتي الأولى إلى أرض الأجداد في أبريل (نيسان) الفائت تزخر بمثل هذه اللحظات. أحببت مدى غرابة الأمور، وأصالة معظم المشاهد، واللهجة المرحة في أصوات السكّان المحليين. كذلك أتوق الى العودة!
حتى ذلك الحين، دعوني أقدّم هذا الدليل الأول من نوعه الذي يحتوي كل ما يحتاج مسافر ساذج إلى معرفته للاستمتاع بأول زيارة له إلى هذه المدينة، استناداً إلى الأسبوع الحافل والناشط الذي أمضيته هناك.
الكتف يلامس الكتف
أول شيء علمناه أن شوارع هذه المدينة ضيّقة إلى حد أن الكتف يلامس الكتف. يعود تاريخ المدينة إلى ألفي عام، لذا فإن شوارعها الداخلية تناسب عارضات الأزياء النحيلات والدراجات النارية الإيطالية الصغيرة، وهذا ما لا ينطبق علي.
لحسن الحظ، تتوافر وسائل نقل جماعية فوق سطح الأرض وتحتها. قد يكون استئجار سيارة في هذه المدينة شكلاً من أشكال تعذيب الذات. العبرة الوحيدة الذي يجب أن تستخلصها من هذه المعلومة هو عدم استئجار سيارة في لندن.
لتحديد اتجّاهنا، انطلقنا في جولة أساسية لمدة نصف يوم على متن باص ضخم تابع لشركة «إيفانز إيفانز» يتحرّك بتثاقل. أعلم بأن الأمر بدا كالجحيم، وكنّا نحس بالاختناق من وقت إلى آخر بسبب عطور ما بعد الحلاقة الغريبة. لكن للحصول على معلومات سريعة وموجزة حول لندن، أثبتت الجولة التي دامت أربع ساعات مدى جدواها.
انقضى الوقت بسرعة خلال جولتنا، بعد أن زرنا كثيراً من المواقع والآثار البارزة: بيكاديلي، البرلمان، ويستمينستر، داونينغ ستريت، ويلينغتون آرك، ميدان ترافلغار وانتهاءً بشارع ذا مال الذي يؤدي إلى قصر باكينغهام.
كانت رحلتنا في اليوم التالي على متن باص شركة The Original London Sightseeing Tour المؤلف من طابقين والمكشوف من الأعلى، أفضل وأكثر نشاطاً. تتوقف باصات هذه الشركة عند عشرات المحطات على مسار يحيط بمواقع المدينة، ويتضمن سعر 36 دولاراً أميركياً رحلةً لمدة ساعتين في نهر التايمز.
زوّدنا أدلاّء سياحيون بالمعلومات خلال جولاتنا. فأخبرنا أحدهم بأن جثة اللورد نيلسون أُعيدت من أرض المعركة في برميل خشبي يحتوي على احد أنواع المشروبات. الجزء المضحك من القصة هو أن البحّارة شربوا من البرميل في طريق عودتهم إلى المرفأ. يقول البعض إن ذلك دليل على مدى تبجيلهم قائدهم، لكن ذلك برأيي دليل على مدى عطشهم.
التجوّل في الأرجاء
حين تنظر للمرة الأولى إلى خارطة مترو أنفاق لندن، أو ما يُسمّى بالأنبوب، ستخال نفسك تدرس الشبكة السلكية لجهاز فاكس. فكثير من خطوط قطار الأنفاق المرمز إليها بالألوان مجهول الوجهة المرجعية. فأين هي ساعة بيغ بن؟ وأين هو ذلك المكان التايلندي في سوهو؟
لكن لا تقلق، تضم لندن قطارات أنفاق بدلاً من الطرقات السريعة. تستطيع بالتالي بلوغ أي مكان وقد تجعل التجوّل في الأنحاء سهلاً نسبياً. وعلى غرار الطرقات السريعة، تبدأ بطرقات رئيسة من ثم تتفرع منها. بعد مضي يومين أو ثلاثة، بتنا نشعر أننا من سكّان المدينة الأصليين.
ثمّة بضعة أمور عن «الأنبوب» على الوافد الجديد إلى المدنية الإحاطة بها:
• يأخذك خط بيكاديلي إلى مطار هيثرو ومنه، لكن يُستحسَن أخذ باص صغير للرحلات (30 دولاراً) أو سيّارة أجرة (60 دولاراً وما فوق) حتّى لو كانت تلك رحلتك الأولى وتحمل معك كثيراً من الأمتعة.
• خط سيركل، الذي يعود تاريخه إلى عام 1884، هو خطّ معظم المواقع السياحية الرئيس. ما إن تصبح على معرفة بهذا الخط، بإمكانك بلوغ أي مكان.
• تسمح لك بطاقة الدفع المسبق {أويستر} بالتنقّل عبر قطار الأنفاق والباصات وهي أقل ثمناً من السعر النقدي الذي تسدده في كل مرة. حمّل بطاقتك مسبقاً بثلاثين دولاراً ولا داعي بعدئذ الى القلق بشأن ذلك لأيام.
دروس مستخلصة
لإدراك قيمة لندن، ليس عليك تناول وجباتها التي تحتوي على الكاري الحار فحسب. إليك لمحة مختصرة عن تاريخ المدينة، في 200 كلمة أو ما يقارب ذلك. (لأن 100 كلمة بالنسبة إلى البريطانيين غير كافية).
أسّس الرومان لندن ما بين عامين 50 و200 م. وسرعان ما تحوّلت إلى مركز للتجارة على طول ضفاف نهر التيمز وشكّلت أيضاً هدفاً للهجمات المريعة التي كان يشنّها الفايكينغ والساكسون (الجرمان).
عام 1066، قاد ويليام الفاتح غزوةً فرنسية ملحمية عُرفت باسم معركة هاستينغز»، وهو تاريخ أساسي قد تحفظه من تلك المعلومة القصيرة في رأسك حيث تخزّن تواريخ أعياد الميلاد وأحداثاً تاريخية ضخمة.
بعد ذلك، تعاقبت على حكم المدينة سلسلة من الأنظمة الملكية الغريبة، بقيادة أشخاص لديهم ضعف تجاه العلاقات غير الشرعية وميول شريرة. فبعد عمليات قطع الرأس، مثلاً، كانوا من وقت إلى آخر يخيّطون الرأس مجدداً على الجثّة. (مثال على ذلك تشارلز الأول).
كذلك جرى عام 1215 توقيع الميثاق الأعظم، قبل إعلان الاستقلال الأميركي. وفي العام 1815، أوقف ويلينغتون زحف نابوليون، محافظاً على المملكة. وفي أربعينيات القرن الماضي، أشعلت الطائرات الألمانية معظم أجزاء المدينة بعد قصفها بالقذائف، لا سيما تلك المحاذية للنهر، فتوهّجت مع ضوء القمر ولفتت انتباه الطيّارين. أمّا المباني التي تراها اليوم والتي تعود إلى حقبة الخمسينيات فهي بديل عن تلك التي دُمِّرت.
حسناً، أفترض بأنني فوّت بعض المعلومات. فثمة ذلك الرجل الذي يُدعى شكسبير الذي غيّر اللغة، وتشارلز ديكنز الذي جاب أيضاً هذه الشوارع الرطبة والمذهلة، كما فعل جاك السفاح، المُجرم المقزز الأكثر شهرةً في لندن. حتّى أيامنا هذه، لا تزال لندن مكاناً نابضاً بالممثلين والكتّاب، والمفكّرين والثائرين.
ملاحظة أخيرة: دُفن في سرداب كل كنيسة على ما يبدو عشرة من العباقرة.
ما الذي يجب رؤيته؟
بالنسبة إلي، من الضروري زيارة كنيسة ويستمينستر آبي، وقصر باكينغهام، وبرج لندن، فضلاً عن التجوال في الشوارع حول ميدان ليسيستر.
من أين يجب أن تبدأ؟
إحصل لنفسك على خرائط مجانية من موقع Londontown.com (أفضل ما يمكن أن تجده) لدى مركز الاستعلامات المجاور لكشك التذاكر TKTS في ميدان ليسيستر وانطلق في أي اتّجاه.
بوسعك التنزّه طوال النهار، على طول شارع {تشارينغ كروس} النابض بالحياة والذي سيقدّم لك مجموعةً كبيرة من أماكن الجذب في لندن. إبدأ من متحف الصور الوطني في ميدان ترافلغار، حيث سيساعدك الجناح الخاص بأسرة تيودور على إنعاش ذاكرتك عن هنري الخامس. بجانبه، يقع المتحف الوطني الذي يعتبر أقل تأثيراً لكن على محبّي الفن زيارته.
انطلق من هاربز، وامشِ لمدة 20 دقيقة باتّجاه شارع أوكسفورد، عبارة عن سوق مزدحم، ومن ثم توجّه يساراً إلى شارع ريجنت، الذي يؤدي إلى ساحة بيكاديلي، مركز أكبر للتسوّق. لا تفوّت متجر هامليز الضخم للألعاب (188 شارع ريجنت) أو متجر فيراري في الجهة المقابلة، حيث تستطيع شراء جزّازة عشب من ماركة فيراري.
إن لم تكن مهتماً بالتسوّق، تجاوز شارعين باتّجاه شرق شارع كارنابي، شارع سياحي مخصص للمشاة ويضم حانات في كل زاوية من زواياه. إبدأ من حانة شكسبير هاد (وانظر إلى الشاعر وهو يطل من نافذة الطابق الثاني) من ثم أخط 50 خطوةً باتّجاه شارع {أونيلز} حيث ينتشر مئات الزبائن على الرصيف وهم يخبرون القصص بصوت عال بما يكفي لإيقاظ ويليام بلايك.
إنها حتى الآن الساعة السادسة والنصف وعليك أن تفكر في وجبة طعام سريعة قبل دخول السينما، التي دفعت ثمن تذاكرها مسبقاً.
بعد يوم من التجوال، دلِّل نفسك بركوب سيارة أجرة. فمن الملائم الوصول إلى صالة سينما في لندن في إحدى سيارات الأجرة السوداء الصغيرة هذه، التي تشبه خوذة لها دواليب.
حرب الطبقات
أشير إلى أن سعر الصرف بات أفضل مما كان عليه الصيف الماضي، إذ أن كل 1.60 دولار يعادل جنيه استرليني واحداً مقارنةً بدولارين سابقاً. ذلك يعني أن الأسعار في لندن أصبحت أقل بعشرين في المئة، لكن هذا الأمر نسبي. فهي لا تزال من أغلى المدن في العالم.
بوسعك تجربة وليمتنا الكبيرة في مطعم {سينامون كلوب} الهندي، الذي تبيّن أنه أكثر جزء إبهاراً من رحلتنا، على الرغم من أنه باهظ الثمن. يجذب مطعم {فيفيك سينغ} الرسمي لكن المبهج (30-32 شارع غرايت سميث) شخصيات سياسية وبعض السياّح.
كان الطعام في غاية اللذة، أمّا فاتورة العشاء التي عادلت تذكرة الطائرة فكان يجب أن تكون على قدر هذه اللذة. إن كنت مستعداً للإسراف، اختر الروبيان المشوي، لحم الغزال، السلمون، ولحم البقر المبهّر من لائحة الطعام الشهية التي أعدّها الطبّاخ هاري ناغاراج.
أذكر تلك الأطعمة لأنها كانت من أفضل الوجبات التي تناولتها في حياتي. كانت الأغلى ثمناً أيضاً، وأتوقّع أن تتأرجح فاتورة نفقاتي في الهواء وتصفعني على جبهتي لتذكّرني من أين أتيت، أي من الولايات المتحدة التي تجسّد بساطة الغرب.
إضافة إلى المفضلة
المفضلة
إرسال إلى صديق
المشاهدات: 1188
التعليقات
(0)

