لن تتحقق التنمية المطلوبة او الموعودة بمجرد ان تبدأ الحكومة سياسة الانفاق الرأسمالي على المشاريع المتعطلة، كما قد يتصور البعض، وان كان ذلك بمنزلة من يرمي حجراً في بحيرة راكدة، حيث سيمنح الفرصة لبعض الوقت لضخ سيولة في السوق، غير ان التنمية الحقيقية تكون حينما تؤمن الحكومة بأهمية القطاع الخاص وتمنحه الحق في ادارة المشروعات الخدمية بعيدا عن هيمنة القطاع العام او حتى المشترك.
وفي ذلك لا نجد مبرراً منطقياً مثلاً لتمسك الحكومة بالسيطرة على قطاع الاتصالات الارضية، رغم وجود ثلاث شركات للاتصالات تسير اعمالها بكل نجاح وبقدرة تنافسية عالية، توافرت معها خدمة الاتصال المتنقل وخدمة الانترنت بأثمان بسيطة للمستهلك وبجودة عالية، ومنحت فرصة للعمل الحقيقي المنتج للمئات من المواطنين. كما استحدثت مع وجودها فرصاً للعشرات للبدء بأعمالهم الخاصة بعيداً عن الروتين الحكومي والوظيفة الحكومية القاتلة للطموح وللروح المنتجة عند الشباب الواعد الراغب بتكوين ثرواته الخاصة.قطاع الاتصالات الارضية الحالي الذي تهيمن عليه وزارة المواصلات لا يحقق المنفعة للدولة، وما هو على وضعه الحالي الا وعاء لاستيعاب بطالة مقنعة تتمتع بامتياز الراتب الحكومي دونما عوائد تشغيلية مجزية، ودونما توفير الحدود الدنيا من قيمة هذه الخدمة التي توفرها الدولة للمستهلك، بل ويذهب الامر الى ابعد من ذلك في سلبيته حينما تعجز الدولة عن استيفاء مستحقاتها المتراكمة على المستهلكين بيسر وسلاسة كما تحصل شركات الاتصالات المتنقلة مستحقاتها على مستهلكي خدماتها من دون تململ او شكوى او تذمر من هؤلاء.
قطاع الاتصالات الارضية احد امثلة التردي الحكومي والعجز عن مواكبة آليات السوق، اذ تشغل قواها في تتبع ما لا طاقة لها به، في حين كان من الاجدى ان تمثل جهة مشرفة ورقابية فقط على تقديم هذه الخدمة وتحصيل المستحقات من الشركات التي تدير الخدمة وتوفرها للمستهلكين وتتنافس على استرضائهم، وفي هذا وذاك تكون مسؤولة عن ايجاد فرص العمل الحقيقية للمواطنين بعيداً عن خلق فرص عمل وهيمنة لا تفيد التنمية المأمولة لقوى العمل المحلية.
وينطبق على قطاع البريد العام ما ينطبق على نظيره في الاتصالات الارضية، حيث تقدم الشركات الخاصة خدمة مثالية لا يوفرها القطاع الحكومي المثخن ببطء اجراءاته والمثقل بعمالة ليس من ضمن اولوياتها تحسين جودة العمل فيه.
وفي مجال الصحة العامة يبدو الفارق هائلاً بين ما يقدمه القطاع الخاص من خدمة متميزة وبين المراكز الصحية والمستوصفات الحكومية، بل وحتى المستشفيات التي يصرخ مراجعوها من تدني مستوى الخدمة فيها على اعتبار ان موظفيها مطمئنون الى انهم سيتقاضون اجورهم كاملة غير منقوصة، اياً كان اداؤهم فيها، واياً كان مستوى الرضا الذي يتحصلونه من هؤلاء المستهلكين للخدمة الصحية، علماً بأننا نفخر ببعض الكفاءات التمريضية الموجودة في هذا القطاع، ولكن لا تتوافر لهم الاجهزة والانظمة، علاوة على طريقة سير العمل في هذا القطاع، مما يخفض مستواهم بسبب عدم توافر تلك الضروريات التي تسمح لهم بأداء عملهم بأفضل وجه.
التفكير المنطقي الصحيح والمقبول ان ترفع الحكومة يدها عن الادارة المباشرة لقطاع الخدمات فيها، وتكتفي باعداد القوانين واللوائح المنظمة لتقديم هذه الخدمات، وتترك المجال خصباً للقطاع الخاص لادارتها وفقاً لآليات التنافس الحر، وحينها سترى كيف ستغدو الخدمة المقدمة متميزة، بل وبأسعار في متناول الجميع، او حتى من دون مقابل، وانما تدفع الحكومة عن المواطنين علاجهم عن طريق التأمين الصحي لهم لان توسيع قاعدة المستفيدين والعملاء سيكون هو الفيصل في تحقيق الربحية، وستكون الايدي العاملة فيها منتجة ومخلصة للعمل الذي تؤديه، حيث انها ستخسر فرص الربحية ان اغفلت احتياجات عملائها.
خصخصوا الخدمات وسترون كيف ستغدو الكويت خلية نحل لا مجال فيها للكسالى، واما ممتهنو الرضع من ثدي الحكومة فمآلهم نحو الاضمحلال والتلاشي بحكم طبيعة الحياة.
إضافة إلى المفضلة
المفضلة
إرسال إلى صديق
المشاهدات: 1693
التعليقات
(0)

